علي بن أحمد المهائمي

125

مشرع الخصوص إلى معاني النصوص ( النصوص في تحقيق الطور المخصوص )

الحساب دون البعض ، فأكد لتيقنه ، وقال سرا كبيرا لا يمكن إفشاؤه ، وقرر ذلك أن الأسماء راجعة إلى الذات ، فالحساب وإن عسر لبعض الأسماء رجع إلى ما لا حساب فيه ، وهو الرحمة وإن كانت في صورة العذاب ؛ وذلك لأن العذاب لما كان حكمه ففيه مناسبة عقلية لأفعالهم ، وفيه من كمال الحكمة ما يلتذ به من حيث العقل ، وإن كان يتألم من حيث الطبع . ولعل العقل يغلب عليهم في الآخرة على الطبع ، على أن تجليات أهل العذاب لا بدّ وأن تكون أسمائية ، فلا بدّ من انتهاء عذابهم بوجه من الوجوه ، وهو ما ذكرناه ، وقد صرح بذلك الشيخ محيي الدين رضي اللّه عنه ، وقد مر بحث هذه النسبة لكثرتها في الواقع ، وإن كانت نتيجته أي أثر ما وقع من الغلبة والمغلوبية قوة نسبة تلك العطايا إلى حضرة الذات ، وأورد هذه العبارة إشعارا بلزوم لزوم النتيجة للقياس الصحيح بخلاف النسبة إلى الأسماء ، فإنها غير لازمة لجواز تبدلها . فذلك الذي عليه أورد بصيغة الحصر إشعارا بانحصار عدم الحساب في هذا القسم من بين القسمين ، ولو أورد هذه الصيغة في هذه العطايا الذاتية ؛ لأوهم وجوب الحساب فيما سواه حتى هذا القسم . ثم علل عدم الحساب في الموضعين بقوله : « لأن العطايا الذاتية » ، أي : المذكورة أولا ، وما قويت نسبة إليها ، وهذا هو القسم الأخير ، لا يصدر من الفاعل ، ولا يقبل من جهة القابل إلا لمناسبة ذاتية فيهما ، وبالذات لا يزول أبدا ولا يتوقف ، لكنه يختص بالرحمة ؛ لأن نسبة الرحمة إلى الذات أسبق من نسبة الغضب ، ولما كان في القسم الأخير جهة الأسماء ظاهرة ، فأوهم أنه من جهة الذات لا حساب فيه ، ومن جهة الأسماء فيه حساب يفي ذلك بأنه لا موجب لها غير تلك المناسبة المغلوبة لا أثر لها ، فافهم » . قال رضي اللّه عنه : [ ومن لم يعرف هذا الأصل ، لم يعلم حقيقة قوله تعالى : وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ [ البقرة : 212 ] ، ولا سر قوله تعالى : هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ [ ص : 39 ] ، ونحو ذلك مما تكرر ذكره في الكتاب العزيز ، وفي الأحاديث النبوية أيضا مثل قوله صلى اللّه عليه وسلم : « أنه يدخل الجنة من أمته سبعون ألفا بغير حساب